28 , مايو 2026

القطيف اليوم

دكاكين كانت في زوايا سوق تاروت "4"

يُعد سوق تاروت من أقدم الأسواق الشعبية في "جزيرة تاروت"، حيث يمتد تاريخه لعقود طويلة يعرض الفلاحين فيه منتجاتهم الزراعية، ويتلون المكان بألوان ثمار أرضهم الذي يشبه ألوان الأقمشة التي تقلبها العروس داخل دكان المرحوم الحاج مكي الصادق "أبو ميرزا" بين أزقة الديرة، وكان السوق يمثل المركز التجاري والتمويني الرئيسي لجزيرة تاروت وقراها.

في السابق كان الاعتماد الكلي على ما تنتجه مزارع وبساتين المزارعين في بلدتي "جزيرة تاروت"، وكان الباعة الأوائل هم الفلاحين والبحارين نفسهم من أبناء البلدة الذين ورثوا مهنة الزراعة وصيد الأسماك، وقاموا بنقل منتجات بساتينهم ومزارعهم، وما يصطادوه من أنواع السمك داخل حضورهم الممتدة من ساحل الرفيعة إلى ساحل السنابس إلى السوق مباشرة لبيعها للمتسوقين.

يعتمد السوق بشكل أساسي على المزارعين المحليين من أهالي البلدة الذين كانوا يعرضون محاصيلهم الزراعية الطازجة من الخضار والفواكه التي تنتجها بساتينهم ومزارعهم، لكن التمدد العمراني الذي خيم على جزيرة تاروت، ساهم في القضاء على المزارع والبساتين، وتسبب في فقد العديد من المزارعين لأراضيهم الزراعية، فقل الإنتاج المحلي والاعتماد بشكل كبير على المحاصيل والمنتجات المستوردة.

المعذرة ياسادتي الكرام فظنكم في "جزيرة تاروت" الذي أكتب عنها ما كان صائبآ، فهي ليست تاروت التي الآن تتداولوا بأسمها وتسكنوا  فيها، فلا ناسها ناسي ولا كرب نخيلها يحمل بصمات أصابعي حين أتسلقها فهي لا تعرفني وأنا لا أعرفها، حيث نخيل تاروت كانت ترتوي من ماء "عين العودة"، الذي كان مائها يشق طريقه إلى "حمام تاروت" لترتوي غابات النخيل في المزارع والبساتين، وتشتدّ سعفاتها الخضراء التي تتدلى ثمارها على أكتافها.

ولا ساحل "الرفيعة" الذي تسمونه اليوم "بالرملة البيضاء" ساحلي، فرملته لا تحمل بصمات خطواتي، فهو لا يعرفني وأنا لا أعرفه حيث كان ساحلاً تشم فيه الهواء العليل المعطر بنسمات "مزرعة الكويتي" عندما تجلس فوق رملته وأنت تنظر إلى العمود الخشبي العالي الذي يرشد نزول الطائرات على أرض أول مطار فوق "ساحل الرفيعة" بجزيرة تاروت في المملكة العربية السعودية.

ياسادتي الكرام أنا أعرف أسماء بساتين ومزارع بلدتي التي ماتت من زمان، وأنتهت زقزقة العصافير التي تطربنا فوق الأشجار مع هبوب النسائم المحملة بالهواء النقي كل مساء، أعرف نخل: المخيمرة، الدالية وأرض البقل وزدادان، وأعرف عين أم عريش، الخضاري، الغسيل، الصدري، سوده، قظبة، حنان، الجشية، عين الصادق، سوامة، الريحانة، أم الشجر،، الدحكاني، البدرية، زيزة، مزارع الخضر، البقعاوي، مزرعة شيخان الكويتي، ونخل المصلي والصفار والوزارة، ومزارع الشمال "فريق الأطرش".

لكن اعدروني يا سادة يا كرام فأنا لا أعرف الأسماء الجديدة مثل: الأندلس، والأمازون، والصدفة، والرملة البيضاء، والجوهرة، والرابية، ونيو بيچ، واليمامة، والدوخلة، وغيرها من الأسماء التي كتبت فوق أسماء مزارع وبساتين بلدتي.

اه ثم اه ثم اه.. كم انت جميلة يا بلدتي "جزيرة تاروت" يا واحة النخيل والأعناب والرمان، يا مكان الطيبة والهدوء والأمان، تاروت هوائك عذب عليل، كرمك أصيل، وما تبقى من ماضيك أوشكا على الرحيل، لكن ذكراك محفورة على صخور قصرك الشامخ، وعلى جدران البيوت الطينية في "الديرة"،  التي ضمت في باطنها أجساد أجدادنا وأهلنا، لكن جور الزمان أتعبها فنهار الكثير منها وما تبقى يوشك على الرحيل!!.

ختاماً: في تلكَ الحقبة الزمنية لم يكنِ الناس يموتونَ فجأة، بل كانوا يتسربونَ من الحياةِ ببطء كما يتسربُ ماء المطرُ من بين أسقفِ بيوت الطين، وبعد رحيل جارنا الفلاح والبحار والبناي والنجار رحل كل شيء معهم، حتى البساتين صارت عقيمة والأنهار انتحرت والعصافير تشنجت احبالها الصوتية فماعاد لها  تغريد ولا زقزقة ولا هديل فوق سعف النخيل.

ملاحظة:
"الحضور": جمع حضرة وهي مكان داخل مياه البحر يعمله البحارة على شكل خط من "جريد النخيل" أي عصا السعفة ويشد بحبل مصنوع من ليف النخلة، وينتهي بحلقة دائرية، لها باب من الجريد نفسه يدخله السمك ولا يستطيع الخروج بعد انحسار المد، ويغلقه البحار عندما يأتي لمباراتها أي صيد السمك الذي بداخلها.


error: المحتوي محمي